الشنقيطي
27
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
ويكون وجوب الإطعام على العاجز عن الصوم كالهرم والزمن . واستدل لهذا القول بقراءة بعض الصحابة يطوقونه بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتين بمعنى يتكلفونه مع عجزهم عنه ، وعلى هذا القول فيجب على الهرم ونحوه الفدية وهو اختيار البخاري . مستدلا بفعل أنس بن مالك رضي اللّه عنه . قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [ 190 ] الآية . هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم ، وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا قاتلوا أم لا كقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ البقرة : 193 ] . وقوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [ التوبة : 5 ] . وكقوله تعالى : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] . والجواب عن هذا بأمور : الأول - وهو أحسنها وأقربها - أن المراد بقوله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار ، فكأنه يقول لهم : هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن . الوجه الثاني - أنها منسوخة بقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا ، وإيضاح ذلك أن من حكمة اللّه البالغة في التشريع ، أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجا لتخف صعوبته بالتدريج ، فالخمر مثلا لما كان تركها شاقا على النفوس التي اعتادتها ، ذكر أولا بعض معائبها بقوله : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [ البقرة : 219 ] . ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت ، كما دل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] الآية . ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرّمها تحريما باتا بقوله : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] .